ابن كثير
231
البداية والنهاية
يوسف بن القاضي أبي يوسف سمع الحديث من السري بن يحيى ، ويونس بن أبي إسحاق ، ونظر في الرأي وتفقه ، وولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياة أبيه أبي يوسف ، وصلى بالناس الجمعة بجامع المنصور عن أمر الرشيد . توفي في رجب من هذه السنة وهو قاضي ببغداد . ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة قال ابن جرير : في المحرم منها توفي الفضل بن يحيى ، وقال ابن الجوزي توفي الفضل في سنة ثنتين وتسعين كما تقدم . وما قاله ابن جرير أقرب . قال : وفيها توفي سعيد الجوهري ، قال : وفيها وافى الرشيد جرجان وانتهت إليه خزائن علي بن عيسى تحمل على ألف وخمسمائة بعير ، وذلك في صفر منها ، ثم تحول منها إلى طوس وهو عليل ، فلم يزل بها حتى كانت وفاته فيها . وفيها تواقع هرثمة نائب العراق هو ورافع بن الليث فكسره هرثمة وافتتح بخارى وأسر أخاه بشير بن الليث ، فبعثه إلى الرشيد وهو بطوس قد ثقل عن السير ، فلما وقف بين يديه شرع يترقق له فلم يقبل منه ، بل قال : والله لو لم يبق من عمري إلا أن أحرك شفتي بقتلك لقتلتك ، ثم دعا بقصاب فجزأه بين يديه أربعة عشر عضوا ، ثم رفع الرشيد يديه إلى السماء يدعو الله أن يمكنه من أخيه رافع كما مكنه من أخيه بشير . وفاة الرشيد كان قد رأى وهو بالكوفة رؤيا أفزعته وغمه ذلك ، فدخل عليه جبريل بن بختيشوع فقال : ما لك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : رأيت كفا فيها تربة حمراء خرجت من تحت سريري وقائلا يقول : هذه تربة هارون . فهون عليه جبريل أمرها وقال : هذه من أضغاث الأحلام من حديث النفس ، فتناسها يا أمير المؤمنين . فلما سار يريد خراسان ومر بطوس واعتقلته العلة بها ، ذكر رؤياه فهاله ذلك وقال لجبريل : ويحك ! أما تذكر ما قصصته عليه من الرؤيا ؟ فقال : بلى . فدعا مسرورا الخادم وقال : ائتني بشئ من تربة هذه الأرض ، فجاءه بتربة حمراء في يده ، فلما رآها قال : والله هذه الكف التي رأيت ، والتربة التي كانت فيها . قال جبريل : فوالله ما أتت عليه ثلاث حتى توفي ، وقد أمر بحفر قبره قبل موته في الدار التي كان فيها ، وهي دار حميد بن أبي غانم الطائي ، فجعل ينظر إلى قبره وهو يقول : يا بن آدم تصير إلى هذا . ثم أمر أن يقرأوا القرآن في قبره ، فقرأوه حتى ختموه وهو في محفة على شفير القبر ولما حضرته الوفاة احتبى بملاءة وجلس يقاسي سكرات الموت ، فقال له بعض من حضر : لو اضطجعت كان أهون عليك . فضحك ضحكا صحيحا ثم قال : أما سمعت قول الشاعر : وإني من قوم كرام يزيدهم * شماسا وصبرا شدة الحدثان